إعلامي سقوف
12-31-2010, 05:54 PM
.
تركية الثبيتي
إمرأة سعودية ترسم الخارطة الثقافية ... و تضع حجر الأساس
-------------------------------------
صدر حديثا ، في تشرين ثاني (نوفمبر) 2010 عن دار الشرق للنشر و التوزيع – عمّان / الأردن ، للكاتبة و الفنّانة السعودية تركية عواض الثبيتي كتابا بعنوان "ضوء و تجلّيات" ، سلسلة مُتتابعة من رموز الإبداع السعودي ، يقع الكتاب في 302 صفحة ، موزّعة في سبع فصول. الغلاف الأمامي من تصميم سالم التميمي ، الغلاف الخلفي أخذ عن لوحة للكاتبة نفسها الفنانة تركية الثبيتي.
صدّرت الكاتبة مؤلفها بإهداء تلاه شكر و تقدير ، ثمّ استبدلت "المقدّمة" المعتادة في معظم الكتب بـالعنوان التالي : "كُنْه" ، ليعبّر هذا العنوان فعلا عن محتواه ، إذ أن ما جاء تحته يُشكّل كُنها مهما و هدفا رئيسا من أهداف الكتاب.
دُعّم النّص بقائمة طويلة من المصادر و المراجع المثبتّه في آخره ، إضافة إلى الحواشي و الشروحات في متن النّص ، كما دُعّمت الموضوعات المطروقة بمجموعة كبيرة من الصور الملوّنة عالية الدّقة ، على ورق أبيض صقيل عالي الجودة ، تراوحت ما بين موجودات آثرية عُثر عليها في أجزاء مختلفة من المملكة ، و لوحات فنيّة عالمية و أخرى لفنانين سعوديين و غيرها .
المواضيع التي طُرقت في فصول الكتاب كانت على النحو التالي :
الفصل الأول : بحث في التّداخل و التشابه بين مجمل فنون التعبير الإنساني ، من بينها الأدب و الفن ، قدّمتهما على أنّهما ناتج نشاط عقلي و عاطفي (قلبي) مشترك ، ثم أخذت هذا الناتج الإبداعي ، و بيّنت المكامن التي يستمدّ منها قيمته ، بعد ذلك أخذت العمل الفني بالتّحديد ، و وضّحت العناصر الأساسية في بنائه و تشكيله.
الفصل الثاني : تخصّص في بحث القدرات و الميّزات التي يجب أن يتحلّى بها المبدع ، الفنّان نفسه (أو الأديب) كي ينتج عملا مميّزا ، ثم أظهرت الرّابط الخفي بين الجو النفسي و الروحي للفنّان و ما أبدعته يداه ، مبرزة العمل الفني كموضوع محتمل للدراسة النفسية ، التي تقودنا للتعرّف على أجواء الفنان الإبداعية ، معطية أهميّة واضحة لسيكولوجيا الفن.
الفصل الثالث: تستكمل اهتمامها بسيكولوجيا الفن من خلال رسم الأبعاد الرمزية لبعض المكونات الرئيسية للعمل الفني.
الفصل الرابع : خصّصته للإشارة إلى تاريخ و نشأت الفن بالمعنى الإنساني الشامل ، ثم اختارت عشرة مدارس فنية تشكيلية قدّمتها للقارئ من خلال مختصر مكثّف مدعّم بباقة من اللوحات المنتقاة .
الفصل الخامس : انتقلت به من العام إلى الخاص ، من العالمية إلى المحلية ، أظهرت فيه التّسلسل التاريخي للفن في شبه الجزيرة العربية ، خاصة المملكة العربية السعودية ، من خلال تقديم ثلاثة عشر موقعا أثريا في المملكة ، و عرض ما عثر عليه فيها من موجودات ، مدعّمة كلّ ذلك بصور منتقاة من حيث الدّقة و الحرفية.
الفصل السادس : انتقلت إلى الفن المعاصر في المملكة العربية السعودية ، مقدمة خمسة عشر جماعة فنية ، شكّلها فنانوا و فنّانات المملكة ، كاشفة عن أهم نشاطات هذه الجماعات و أساليبها الفنية و غاياتها و أهدافها ، ثم أهم أسماء الفنانات و الفنانين المؤسسين و المنتمين لها .
الفصل السابع : اختارت أحد الفنانين السعوديين المعاصرين ، الأستاذ الفنّان أحمد حسين الغامدي ، عرضت مسيرته الفنية و الإبداعية ، كفاتحة طريق نحو سلسلة موعودة عن باقي الفنانات و الفنّانين والمبدعين السعوديين المعاصرين بشكل عام إذ وضعت كلمة الإبداع لكيلا تقف كلمة الفن حائلاً دون تناول مجالاً إبداعياً آخراً.
من خلال تمعننا لما جاء في فصول الكتاب ، يتّضح لنا الهدف الأساسي عند الكاتبة الذي يتخطّى هذا الكتاب بحدّ ذاته إلى مشروع طويل و شائق ، يتمثّل بوضع سلسلة من الكتب ، يتناول كل منها أحدى الفنّانات أو الأديبات أو أحد الفنانين أو الأدباء السعوديين المعاصرين ، في محاولة تشبه وضع "بيوغرافي" للفن التشكيلي و الأدب السعودي الحديث. بذلك يكون الكتاب الذي بين أيدينا ( ضوء و تجلّيات ) عمل تأسيسي لعمل كبير قادم ، فهل يا ترى نجحت الكاتبة بالتأسيس لهذا المشروع الشّجاع ؟
نقول نعم ، فمن خلال تمعننا لمادة الكتاب ، نستطيع تقسيمه لثلاثة أجزاء ، بها استطاعت الكاتبة أن تتسلسل بسلاسة و ذكاء من العام إلى الخاص ، رابطة ما يحدث هنا على الأرض السعودية ، بما يجري عالميا ، سواءا قديما في عمق التاريخ أو حديثا ، و ما يجري الآن على صعيد الحركة الثقافية و الفنية التشكيلية .
الجزء الأول : اعتنى بالجانب النّظري ، فكان معالجة في فلسفة الفن و الأدب و قيمتهما كمنتجان لنشاط عقلي و روحي إنساني .
الجزء الثاني: تابعت فيه الجانب العام من خلال عرض تاريخ الفن و تشكّل أهم مدارسه و أساليبه على صعيد العالم.
الجزء الثالث : انتقل إلى الخاص ، ماجرى تاريخيّا على هذه الأرض ، و ما يجري الآن ، معطية قيمة للحاضر من خلال ربطه بالعام الإنساني ، و من خلال تأصيله و إظهار تواصله الزمني التاريخي .
هذا التنسيق الذهني لمادة الكتاب عند المُؤلفة ، و الذي نفّذ فعليا في بناء المُؤلَف ، ينم عن مدى إلمام الكاتبة في جزئيّات مواضيعها ، و معرفتها و وعيها الكاملين بالمكان الذي تقودنا إليه ، لم يكن أيا من فصول الكتاب أو مواضيعه عبثيا ، و لا ارتجاليا ، بل أختير بعناية مع سابق تخطيط ، ليخدم في النهاية الهدف الأساسي من هذا المشروع الثقافي الكبير.
عند مطالعتنا للكتاب ، برزت أمامنا قضايا أساسية ، تحاول الكاتبة جاهدة في كل ركن و في كل فقرة ايضاحها و تسليط الضوء عليها ، أوّلها الهمّ الوطني الذي تحمله ، فتحاول في كلّ فصول الكتاب إبراز أهميّة الانتماء الوطني و ايقاعاته و انعكاساته على الابداع و الانتاج الأدبي و الفني ، كيف أن قيمة الإبداع نفسه تُستمد من هذا الانتماء ، ناهيك عن تجنيد الكاتبة لكل ما تملك من حنكة و حكمة و معرفة لإنصاف الحركة الأدبية و الفنية التشكيلية السعودية ، ايجاد موقعها الحقيقي الذي تستحقه في المسيرة الثقافية العربية عامة ، و في المسيرة الثقافية الإنسانية الشاملة ، هذا الشعور بالاجحاف في حق الثقافة السعودية ، له مبرّراته التاريخية و الاجتماعية التي و كما يبدو ، وضعت يدها عليها بوعي و بدقة ، فانبرت تُبطلها و تفنّدها فتضيء مكامن الجمال في هذه المسيرة ، التي لا تقل نوعا عن مثيلاتها في باقي أرجاء الوطن العربي الكبير ، حتى و لو تأخرت زمنيا خلال فترة ماضية ، انتهت و تمّ تجاوزها. نوع من الإلحاح الواعي الموضوعي لإنصاف الحركة الثقافية السعودية ، و تغيير المواقف المسبقة المجحفة تجاهها من قبل البعض ، باثة القوة و العزيمة ، مستهدفة الثقة بالنفس ، إذ أن فقدانها أخطر ما يمكن أن يصيب ثقافة جمعية بعينها.
المحور الأساسي الثاني الملفت للنّظر ، قدرة الكاتبة على تحسس و تلمس الفقر المدقع الذي تعاني منه المكتبة العربية عامة و ليس السعودية فقط ، خاصة في مجال البحوث و المراجع في فلسفة الفن و قضاياه النظرية و تاريخة و مواكبة تطوره و مدارسه و أساليبه و دراساته المقارنة المتخصصة مع مجالات الإبداع الإنساني الأخرى ، بل أنها تكشف عن جوانب ثقافية ممهمة تعاني المكتبة العربية من نقصها . ثمّ تركز الضوء على معاناة المثقف نفسه ، و صعوبة عمله ، و وصوله أحيانا كثيرة لطرق مسدودة بسبب هذا النقص الشّديد. الأكثر جذبا في هذا الموضوع ، أن الكتاب الذي تقدّمه تركية الثبيتي ، هو تطبيق عملي و أنموذج للمثقف العربي و السعودي ، يبيّن كيف عليه تناول مثل هذه المواضيع ، بمنهجية أكادمية و بموضوعية تستند إلى البحث و التقصي الدقيقين ، فكأنها لم تستكفِ برسم الخارطة للمثقف السعودي و العربي على حدّ سواء ، ترشده لأماكن الضعف على الساحة الثقافية العربية (التي لا تنفرد بها الساحة الثقافية السعودية ) و كيف يجب عليه بناء صرحا ثقافيا سليما ، بل تقوم و تضع بمؤلفها حجر الأساس لهذا الصرح،
بغضّ النّظر إن كنّا نتفق أو نختلف حول ما جاء في الكتاب من أفكار و رؤى جدلية ، فإن الكتاب في كل مفاصله يثير الدّهشة لاتّساع ثقافة الكاتبة ، و متانة بنائها المعرفي ، لغتها السهلة السلسة المفهومة دون التعقيدات الصياغية ، أسلوب معالجتها الذهنية الموضوعية المتسلسلة منطقيا ، من الأبسط للأكثر تعقيدا ، مراعية كل المستويات الثقافية للقرّاء ، وصولا لاستنتاجاتها ، فالمؤلف من هذه الناحية ، مبني بعناية بالغة كي تُمكّن الجميع من الوصول لمضمونه.
في الفصل الأخير ، تقدّم الكاتبة فاتحة سلسلتها المتتابعة عن المبدعين السعوديين في المجال الأدبي و الفني ، فكان اختيارها الأول للفنان أحمد حسين موفقا ، محاولة الوقوف على ما يستحقه هذا الفنان من احترام ، و تسليط الضوء و إظهار القيمة الفنية لإبداعاته و تنوعها ، تلك الإبداعات المبنية على عصامية و كدّ و كدح متّصل منذ الطفولة ، احمد حسين ، الفنّان السعودي الذي قلنا عنه ذات يوم أنه يمتلك فرشاة من الذهب الخالص أربعة و عشرين قراط .
د. حكيم عباس
استشاري طب جراحة
ماجستير فنون
بكالوريوس تاريخ
.
تركية الثبيتي
إمرأة سعودية ترسم الخارطة الثقافية ... و تضع حجر الأساس
-------------------------------------
صدر حديثا ، في تشرين ثاني (نوفمبر) 2010 عن دار الشرق للنشر و التوزيع – عمّان / الأردن ، للكاتبة و الفنّانة السعودية تركية عواض الثبيتي كتابا بعنوان "ضوء و تجلّيات" ، سلسلة مُتتابعة من رموز الإبداع السعودي ، يقع الكتاب في 302 صفحة ، موزّعة في سبع فصول. الغلاف الأمامي من تصميم سالم التميمي ، الغلاف الخلفي أخذ عن لوحة للكاتبة نفسها الفنانة تركية الثبيتي.
صدّرت الكاتبة مؤلفها بإهداء تلاه شكر و تقدير ، ثمّ استبدلت "المقدّمة" المعتادة في معظم الكتب بـالعنوان التالي : "كُنْه" ، ليعبّر هذا العنوان فعلا عن محتواه ، إذ أن ما جاء تحته يُشكّل كُنها مهما و هدفا رئيسا من أهداف الكتاب.
دُعّم النّص بقائمة طويلة من المصادر و المراجع المثبتّه في آخره ، إضافة إلى الحواشي و الشروحات في متن النّص ، كما دُعّمت الموضوعات المطروقة بمجموعة كبيرة من الصور الملوّنة عالية الدّقة ، على ورق أبيض صقيل عالي الجودة ، تراوحت ما بين موجودات آثرية عُثر عليها في أجزاء مختلفة من المملكة ، و لوحات فنيّة عالمية و أخرى لفنانين سعوديين و غيرها .
المواضيع التي طُرقت في فصول الكتاب كانت على النحو التالي :
الفصل الأول : بحث في التّداخل و التشابه بين مجمل فنون التعبير الإنساني ، من بينها الأدب و الفن ، قدّمتهما على أنّهما ناتج نشاط عقلي و عاطفي (قلبي) مشترك ، ثم أخذت هذا الناتج الإبداعي ، و بيّنت المكامن التي يستمدّ منها قيمته ، بعد ذلك أخذت العمل الفني بالتّحديد ، و وضّحت العناصر الأساسية في بنائه و تشكيله.
الفصل الثاني : تخصّص في بحث القدرات و الميّزات التي يجب أن يتحلّى بها المبدع ، الفنّان نفسه (أو الأديب) كي ينتج عملا مميّزا ، ثم أظهرت الرّابط الخفي بين الجو النفسي و الروحي للفنّان و ما أبدعته يداه ، مبرزة العمل الفني كموضوع محتمل للدراسة النفسية ، التي تقودنا للتعرّف على أجواء الفنان الإبداعية ، معطية أهميّة واضحة لسيكولوجيا الفن.
الفصل الثالث: تستكمل اهتمامها بسيكولوجيا الفن من خلال رسم الأبعاد الرمزية لبعض المكونات الرئيسية للعمل الفني.
الفصل الرابع : خصّصته للإشارة إلى تاريخ و نشأت الفن بالمعنى الإنساني الشامل ، ثم اختارت عشرة مدارس فنية تشكيلية قدّمتها للقارئ من خلال مختصر مكثّف مدعّم بباقة من اللوحات المنتقاة .
الفصل الخامس : انتقلت به من العام إلى الخاص ، من العالمية إلى المحلية ، أظهرت فيه التّسلسل التاريخي للفن في شبه الجزيرة العربية ، خاصة المملكة العربية السعودية ، من خلال تقديم ثلاثة عشر موقعا أثريا في المملكة ، و عرض ما عثر عليه فيها من موجودات ، مدعّمة كلّ ذلك بصور منتقاة من حيث الدّقة و الحرفية.
الفصل السادس : انتقلت إلى الفن المعاصر في المملكة العربية السعودية ، مقدمة خمسة عشر جماعة فنية ، شكّلها فنانوا و فنّانات المملكة ، كاشفة عن أهم نشاطات هذه الجماعات و أساليبها الفنية و غاياتها و أهدافها ، ثم أهم أسماء الفنانات و الفنانين المؤسسين و المنتمين لها .
الفصل السابع : اختارت أحد الفنانين السعوديين المعاصرين ، الأستاذ الفنّان أحمد حسين الغامدي ، عرضت مسيرته الفنية و الإبداعية ، كفاتحة طريق نحو سلسلة موعودة عن باقي الفنانات و الفنّانين والمبدعين السعوديين المعاصرين بشكل عام إذ وضعت كلمة الإبداع لكيلا تقف كلمة الفن حائلاً دون تناول مجالاً إبداعياً آخراً.
من خلال تمعننا لما جاء في فصول الكتاب ، يتّضح لنا الهدف الأساسي عند الكاتبة الذي يتخطّى هذا الكتاب بحدّ ذاته إلى مشروع طويل و شائق ، يتمثّل بوضع سلسلة من الكتب ، يتناول كل منها أحدى الفنّانات أو الأديبات أو أحد الفنانين أو الأدباء السعوديين المعاصرين ، في محاولة تشبه وضع "بيوغرافي" للفن التشكيلي و الأدب السعودي الحديث. بذلك يكون الكتاب الذي بين أيدينا ( ضوء و تجلّيات ) عمل تأسيسي لعمل كبير قادم ، فهل يا ترى نجحت الكاتبة بالتأسيس لهذا المشروع الشّجاع ؟
نقول نعم ، فمن خلال تمعننا لمادة الكتاب ، نستطيع تقسيمه لثلاثة أجزاء ، بها استطاعت الكاتبة أن تتسلسل بسلاسة و ذكاء من العام إلى الخاص ، رابطة ما يحدث هنا على الأرض السعودية ، بما يجري عالميا ، سواءا قديما في عمق التاريخ أو حديثا ، و ما يجري الآن على صعيد الحركة الثقافية و الفنية التشكيلية .
الجزء الأول : اعتنى بالجانب النّظري ، فكان معالجة في فلسفة الفن و الأدب و قيمتهما كمنتجان لنشاط عقلي و روحي إنساني .
الجزء الثاني: تابعت فيه الجانب العام من خلال عرض تاريخ الفن و تشكّل أهم مدارسه و أساليبه على صعيد العالم.
الجزء الثالث : انتقل إلى الخاص ، ماجرى تاريخيّا على هذه الأرض ، و ما يجري الآن ، معطية قيمة للحاضر من خلال ربطه بالعام الإنساني ، و من خلال تأصيله و إظهار تواصله الزمني التاريخي .
هذا التنسيق الذهني لمادة الكتاب عند المُؤلفة ، و الذي نفّذ فعليا في بناء المُؤلَف ، ينم عن مدى إلمام الكاتبة في جزئيّات مواضيعها ، و معرفتها و وعيها الكاملين بالمكان الذي تقودنا إليه ، لم يكن أيا من فصول الكتاب أو مواضيعه عبثيا ، و لا ارتجاليا ، بل أختير بعناية مع سابق تخطيط ، ليخدم في النهاية الهدف الأساسي من هذا المشروع الثقافي الكبير.
عند مطالعتنا للكتاب ، برزت أمامنا قضايا أساسية ، تحاول الكاتبة جاهدة في كل ركن و في كل فقرة ايضاحها و تسليط الضوء عليها ، أوّلها الهمّ الوطني الذي تحمله ، فتحاول في كلّ فصول الكتاب إبراز أهميّة الانتماء الوطني و ايقاعاته و انعكاساته على الابداع و الانتاج الأدبي و الفني ، كيف أن قيمة الإبداع نفسه تُستمد من هذا الانتماء ، ناهيك عن تجنيد الكاتبة لكل ما تملك من حنكة و حكمة و معرفة لإنصاف الحركة الأدبية و الفنية التشكيلية السعودية ، ايجاد موقعها الحقيقي الذي تستحقه في المسيرة الثقافية العربية عامة ، و في المسيرة الثقافية الإنسانية الشاملة ، هذا الشعور بالاجحاف في حق الثقافة السعودية ، له مبرّراته التاريخية و الاجتماعية التي و كما يبدو ، وضعت يدها عليها بوعي و بدقة ، فانبرت تُبطلها و تفنّدها فتضيء مكامن الجمال في هذه المسيرة ، التي لا تقل نوعا عن مثيلاتها في باقي أرجاء الوطن العربي الكبير ، حتى و لو تأخرت زمنيا خلال فترة ماضية ، انتهت و تمّ تجاوزها. نوع من الإلحاح الواعي الموضوعي لإنصاف الحركة الثقافية السعودية ، و تغيير المواقف المسبقة المجحفة تجاهها من قبل البعض ، باثة القوة و العزيمة ، مستهدفة الثقة بالنفس ، إذ أن فقدانها أخطر ما يمكن أن يصيب ثقافة جمعية بعينها.
المحور الأساسي الثاني الملفت للنّظر ، قدرة الكاتبة على تحسس و تلمس الفقر المدقع الذي تعاني منه المكتبة العربية عامة و ليس السعودية فقط ، خاصة في مجال البحوث و المراجع في فلسفة الفن و قضاياه النظرية و تاريخة و مواكبة تطوره و مدارسه و أساليبه و دراساته المقارنة المتخصصة مع مجالات الإبداع الإنساني الأخرى ، بل أنها تكشف عن جوانب ثقافية ممهمة تعاني المكتبة العربية من نقصها . ثمّ تركز الضوء على معاناة المثقف نفسه ، و صعوبة عمله ، و وصوله أحيانا كثيرة لطرق مسدودة بسبب هذا النقص الشّديد. الأكثر جذبا في هذا الموضوع ، أن الكتاب الذي تقدّمه تركية الثبيتي ، هو تطبيق عملي و أنموذج للمثقف العربي و السعودي ، يبيّن كيف عليه تناول مثل هذه المواضيع ، بمنهجية أكادمية و بموضوعية تستند إلى البحث و التقصي الدقيقين ، فكأنها لم تستكفِ برسم الخارطة للمثقف السعودي و العربي على حدّ سواء ، ترشده لأماكن الضعف على الساحة الثقافية العربية (التي لا تنفرد بها الساحة الثقافية السعودية ) و كيف يجب عليه بناء صرحا ثقافيا سليما ، بل تقوم و تضع بمؤلفها حجر الأساس لهذا الصرح،
بغضّ النّظر إن كنّا نتفق أو نختلف حول ما جاء في الكتاب من أفكار و رؤى جدلية ، فإن الكتاب في كل مفاصله يثير الدّهشة لاتّساع ثقافة الكاتبة ، و متانة بنائها المعرفي ، لغتها السهلة السلسة المفهومة دون التعقيدات الصياغية ، أسلوب معالجتها الذهنية الموضوعية المتسلسلة منطقيا ، من الأبسط للأكثر تعقيدا ، مراعية كل المستويات الثقافية للقرّاء ، وصولا لاستنتاجاتها ، فالمؤلف من هذه الناحية ، مبني بعناية بالغة كي تُمكّن الجميع من الوصول لمضمونه.
في الفصل الأخير ، تقدّم الكاتبة فاتحة سلسلتها المتتابعة عن المبدعين السعوديين في المجال الأدبي و الفني ، فكان اختيارها الأول للفنان أحمد حسين موفقا ، محاولة الوقوف على ما يستحقه هذا الفنان من احترام ، و تسليط الضوء و إظهار القيمة الفنية لإبداعاته و تنوعها ، تلك الإبداعات المبنية على عصامية و كدّ و كدح متّصل منذ الطفولة ، احمد حسين ، الفنّان السعودي الذي قلنا عنه ذات يوم أنه يمتلك فرشاة من الذهب الخالص أربعة و عشرين قراط .
د. حكيم عباس
استشاري طب جراحة
ماجستير فنون
بكالوريوس تاريخ
.